مجمع البحوث الاسلامية
152
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
والبورياء : الحصير المنسوج من القصب . وحكى الجوهريّ عن الأصمعيّ ، والجواليقيّ عن ابن قتيبة أنّ الباريّ والبوريّ فارسيّان معرّبان ، وأصلهما في الفارسيّة « بوريا » . ولكن ليس كما قالا ؛ إذ لو كانا لفظين فارسيّين لما أناط الجوهريّ والجواليقيّ - وهما من أهل فارس - رواية ذلك بعربيّين لا يفقهان الفارسيّة ولا يتكلّمان بها ، بل أرسلا الكلام إرسالا ، كما هو ديدنهما في الألفاظ الفارسيّة . ثمّ إنّ المعجمات الفارسيّة اليوم لا تجزم بذلك ، بل صرّح بعضها بأنّ « بوريا » لفظ آراميّ « 1 » . وفي الحقيقة أنّه لفظ سريانيّ ، وقد جاء بهذا اللّفظ في السّريانيّة ، وبلفظ « بوريه » في الآراميّة « 2 » . الاستعمال القرآنيّ جاءت منها أربعة ألفاظ في خمس آيات : 1 - إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ فاطر : 29 2 - مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ فاطر : 10 3 - قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْماً بُوراً الفرقان : 18 4 - بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً الفتح : 12 5 - أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ إبراهيم : 28 يلاحظ أوّلا : أنّها جاءت في ثلاث صيغ : فعل مرّتين في ( 1 ) و ( 2 ) ، وصفة مرّتين أيضا في ( 3 ) و ( 4 ) ، ومصدر مرّة واحدة في ( 5 ) . ثانيا : ذكر المفسّرون أنّ معناها الهلاك والفساد والكساد . والّذي يتبادر منها أنّ « البوار » ليس مطلق الهلاك والفساد ، بل هلاك وفساد ما شأنه الاستقامة والصّلاح ، وهذا ما يعبّر عنه في التّجارة والسّوق والمتاع والطّعام ونحوها بالكساد ، وهو المعنى الحقيقيّ لها ، أي الخسران والضّلال فيما يتوقّع نفعه وصلاحه . ثالثا : جاء الفعل « تبور » في ( 1 ) بمعنى كساد التّجارة الّتي يتوقّع فيها الرّبح ، والفعل « يبور » في ( 2 ) بمعنى خسران مكر الّذين يمكرون السّيّئات ، لأنّهم يحسبون أنّ مكرهم ينفعهم ، ولكنّ ظنونهم وأمانيّهم لم تتحقّق ، فأصبح مكرهم خاسرا كاسدا . رابعا : جاء هذا المعنى بعينه في ( بور ) ، وهو جمع بائر في الآيتين ( 3 ) و ( 4 ) . أمّا ( 3 ) فإنّ الكفّار الّذين متّعهم اللّه وآباءهم في الحياة الدّنيا يتوقّع انتفاعهم بنعم اللّه في طريق السّعادة والفلاح ، ولكنّهم خسروها لمّا نسوا الذّكر .
--> ( 1 ) معجم « دهخدا » ، لفظ « بوريا » . ( 2 ) المعجم المقارن للدّكتور محمّد جواد مشكور ( 1 : 89 ) .